أهمية الأدب العربي للأطفال
Wed, 22 Jan 2025
نعزز الانتماء الثقافي لدى الآباء والأبناء
إنَّ تعليم الأطفال اللغة العربية في سن مبكرة ينمي فكر الطفل وسلوكه، ويحفز خياله وإبداعه، ويرقى بعقله وفهمه، ويزيد قدرته على التعبير، ويكسبه ثقةً عند الحديث، وليناً ورقةً في الطباع.
قال
الشافعي رحمه الله تعالى: من تعلم القرآن عظمت قيمته ومن نظر في الفقه نبل مقداره
ومن تعلم اللغة رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم
يصن نفسه لم ينفعه علمه.
وبين يديك
أيها القارئ الكريم فوائدُ جمة في تعليم اللغة العربية للأطفال في سن مبكرة، من
ذلك:
1.
تنمية الفكر
الإنساني
رأيتُ العقلَ زينَ المرءِ مفتاحَ السعادة......
ورأيتُ الجهلَ قيدَ المرءِ مفتاحَ الشقاوة
(المتنبي)
إن العلاقة بين الفكر واللغة علاقة وثيقة ، فالطفل
الذي لا يمتلك أي مهارة لغوية لا يستطيع التفكير بشكل صحيح ، فإذا امتلك ثروة
لغوية ساعد ذلك في تنمية فكره بشكلٍ كبير ، فالعلاقة بين الفكر والثروة اللغوية
علاقة طردية ، كلما زادت ثروته اللغوية كلما زاد نموه الفكري ، و من ثَمّ وصل إلى
النضج العقلي .
ونستطيع أن نستشف أهمية اللغة بالنسبة للإنسان من قصة
خلق سيدنا آدم (عليه السلام) ، فعندما قدَّر الله لآدم أن يكون خليفة في الأرض،
وأنزل على عاتقه المسؤوليات بدأ بتعليمه اللغة التي تساعده على تأدية مسؤولياته ،
فعلَّمه الأسماء ، أعطاه الحصيلة اللغوية .
قال تعالى
: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
(30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ
فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)}([1])
إنَّ دراسة
اللغة العربية، وخاصة الصور الخيالية والبلاغية، لها تأثير عميق ومميز على عقول
الأطفال وتطوير مهاراتهم الإدراكية واللغوية.
2. تحفيز الخيال والإبداع:
عندما يقرأ الطفل أو يتعلم عن استعارات وتشبيهات،
يتدرب عقله على تصور الأشياء بأشكال مختلفة.
مثلًا، إذا قرأ قول الله تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ
غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ
السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ
سَحِيقٍ}([2] )
فهو يتخيل منظرًا حيًا لشيء سقط من السماء ، فتلحظه
الطيور الجارحة ، ثم تخطفه ، وتقطِّعه إربًا ، فإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح
فتعلوا به في طبقات الجو العليا ، وإما أن تقذفه بعيدًا فتُزيده تمزيقًا ، مما
يجعل عقل الطفل المتعلم أكثر مرونة في الإبداع، ثم يتبادر إلى ذهنه سؤال وهو : ما
وجه الشبه بين المشرك وبين ذلك الشيء الذي
سقط من السماء ؟! ، فيحاول عقله التفكير مما ينمي لديه مهارات الإبداع وحل
المشكلات ، و توسع آفاق الطفل ليرى العالم بطرق جديدة .
3. تطوير اللغة ، و تعزيز المفردات ، والقدرة على التعبير :
اللغة العربية غنية بالمعاني، وتعلم البلاغة يعرض
الطفل لمجموعة واسعة من الكلمات . وعند فهم الصور البلاغية،
يكتسب الطفل طريقة تعبير أكثر عمقًا ودقة.
و القرآن مليء بالكلمات المتنوعة، مما يمنح الطفل
ثروة لغوية ضخمة، كلما تعلّم الطفل مزيدًا من الآيات، زادت قدرته على استخدام
مفردات غنية ودقيقة في تعبيراته اليومية ، كما يعزز قدرة الطفل على بناء جمل صحيحة
ومعقدة، ويُنمِّي لديه الحس اللغوي.
مثال: بدلًا من أن يقول : (الطريق طويل) ، يمكنه
أن يقول :(الطريق يمتد كأنه لا نهاية له) .
4. تعلم الحكمة:
مما لا شك فيه أن الحكمة كنز ثمين ، و صفة حميدة ، من
كانت فيه ، فقد أدرج خيرًا عظيمًا ، وهى من أفضل العطايا، وأجل الهبات ، وقد قال
تعالى : {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ} ، ولمَّا
كانت للحكمة مكانة عظيمة ، وشأن كبير فقد امتن الله (عز وجل) على عبده الفاضل،
لقمان بالحكمة، حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ
اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}([3])
والحكمة أن تضع كل شيء في موضعه ، فتتكلم حينما يكون
الكلام هو المناسب ، وتصمت حينما يكون الصمت هو الصواب؛ يقول الشيخ السعدي هي:
إصابة الصواب في الأقوال والأفعال.
ومن منا من لا يريد أن يكتسب أولاده هذه الصفة
العظيمة ، فمن أراد اكتسابها فمما
لا شك فيه أن اللغة بشكل عام والعربية بشكل خاص هي الطريقة الأنسب لتعلم
واكتساب الحكمة وكما في الحديث:" إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم
بالتحلم".
والحكمة هي زبدة التجارب والمعارف، صيغت في قوالب
أدبية رفيعة، إذا أخذ بها الفرد صنعت منه شخصية موضوعية فاعلة مؤثرة، نتيجة
التطبيق الصحيح لما عرف من الحِكَمِ التي أثرى بها معارفه، فأكسبته خبرة لا عن
مواقف وإنما عن عظات وعبر، سمع بها وقرأها وطبقها.([4])
واللغة العربية مليئة بمصادر الحكمة ومنابعها ،
فأعظمها القرآن الكريم ، ذلك النص المُعجِز إلى آخر الزمان ، الذي يحوي على الكثير
من الآيات التي نستطيع بوضوح أن نستنبط مواطن الحكمة ، ونستبصر الأمور لندرك ما يضرنا ، فنتَّقيه ، وإن كان مما تهواه
نفوسنا ، ونعرف ما ينفعنا ، فنطلبه ، وإن كان مما تكرهه ، فإنما حُفَّتُ الجنة بالمكاره ، والنار
بالشهوات.
والقصص
القرآني هو بحر لا حد له من ألوان الحكم والآيات التي لا تنقضي عجائبها ، ولا
ينفضُّ ما فيها من الحكم ، والعبر، والدروس ، وهى نهج تربوي يُعلّم الإنسان كيف
يتعامل مع الحياة، ويفهم سنن الله، ويوازن بين الدنيا والآخرة .
و إذا اعتادت الناشئة منذ مراحلهم المتقدمة أن
يُمعنوا النظر ويتأملوا النص القرآني محاولة استنباط الحكم لكان ذلك كافيًا
لاستخراج جيلٍ واعٍ موضوعي لديه من الحكمة ما يقود بها العالم .
ثم يأتي في المراحل التالية الشعر و النثريات القصص
والروايات وغيرها، قال صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان سحراً وإن من الشعر
حكماً".
ومن الأشعار التي تحمل حكمًا :
·
وما نيلُ المطـالبِ بالتمنِّي ولكــــن تُؤخـــــذُ
الدنيــــــا غلابـــا([5])
·
ولربَّ
نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذرعًا وعند اللهِ منها المخرجُ([6])
·
العلمُ
يرفعُ بيتًا لا عمادَ له
والجهلُ يهدمُ بيتَ العزِّ والشرفِ([7])
فاللغة العربية تحمل في طياتها تراثٌ عظيم الأثر ، و
على النشء أن يغوصوا في أعماقه ليستخرجوا الدرر
واللآليء .
5.
تنمية
القدرة على التعبير
اللغة العربية تؤثر بشكل عميق على متعلميها من الأطفال الصغار إذ تساعد على
تنمية الحس الإبداعي وقدراتهم على التعبير بشكل مميز، فاللغة العربية بثرائها
وأدواتها البلاغية تمنح الطفل أساسًا قويًا للتفكير الإبداعي ، ودقة التعبير .
و كذلك كثرة
القراءة والاطلاع على كلمات اللغة واستخدامها يساعد بشكل كبير في تكوين مهارة الكتابة
والإبداع لدى الأطفال .
واستخدام الألفاظ العربية الصحيحة حسب دلالاتها
ومعانيها يكسبهم ذلك ثروة لغوية ودقة في التعبير والوصف ونقل المعرفة فتنعكس عليهم
بلاغة اللغة وصورها البلاغية ، كما انعكست
على شعراء المسلمين ، وأدبائهم حيث ارتقى خيالهم ، وتنوعت أساليبهم الإبداعية،
فاقتبسوا كثيراً من تصوير القرآن الكريم للأمواج والسحاب والنور والظلام، والقمر
والنجوم وغيرها .
ختامًا، تُعَدُّ
اللغة العربية أكثر من مجرد أداة للتواصل؛ فهي هوية وثقافة وحضارة. تميزها بثرائها
اللغوي، وجمال تراكيبها، وبلاغة تعبيرها يجعلها واحدة من أعرق لغات العالم وأعمقها
تأثيرًا. إن تعليم الأطفال اللغة العربية منذ الصغر يزرع فيهم الفخر بالانتماء،
ويساهم في تعزيز هويتهم الثقافية والدينية، كما يُنمِّي قدراتهم على التفكير
والتحليل من خلال ما تحمله من معاني عميقة وأسلوب تعبير دقيق.
إن تعلمنا للعربية لا يُعدّ خيارًا فقط، بل هو
مسؤولية تجاه تاريخنا وموروثنا الثقافي والديني، فهي لغة القرآن الكريم، ولسان
الحضارة الإسلامية التي أثرت العالم علميًا وأدبيًا. ومن خلال تعلمها وتعليمها
للأجيال القادمة، نحفظ تراثنا وننقله بأمانة ونبني جسورًا متينة مع ماضينا المجيد
ومستقبلنا الواعد.
فاللغة العربية هي مفتاح العلم، وعنوان الهوية، وجسر
الأمة الذي يصل حاضرها بماضيها، ويؤهلها لمستقبل أكثر إشراقًا.
Wed, 22 Jan 2025
Wed, 22 Jan 2025
Wed, 22 Jan 2025
اترك تعليقًا